الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

194

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

4 . المناط في حسن الاحتياط ذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى حسن الاحتياط مطلقاً في مطلق الشبهات سواء كانت وجوبيّة أو تحريميّة وسواء كانت حكميّة أو موضوعيّة وسواء قامت الحجّة على العدم أم لم تقم وسواء كان الاحتمال أو المحتمل قويّاً أو ضعيفاً ، نعم إنّه قال : « إنّ حسن الاحتياط مطلقاً منوط بعدم إخلاله بالنظام وإلّا يكون الاحتياط قبيحاً فلابدّ حينئذٍ من ترجيح بعض الاحتياطات على بعض ، إمّا بملاك أقوائية الاحتمال أو أقوائية المحتمل أو بملاك عدم قيام الأمارة على العدم » « 1 » . ولكن يرد على ما أفاده : أنّ اختلال النظام من العناوين الثانوية للأحكام ولا خصوصيّة له في المقام ، بل كلّ عنوان ثانوي يزاحم حسن الاحتياط لابدّ من تقديمه عليه ، كما إذا لزم من الاحتياط ترك المراودة والمعاشرة مع المؤمنين أو ترك صلة الأرحام أو إيذاء المؤمن أو هتكه أو تشويه وجه المذهب في الأنظار ، فلا حسن في مثل هذه الموارد وإن لم يلزم منها اختلال النظام . أضف إليه : أنّه لا دليل أصلًا على حسن الاحتياط التامّ في الشبهات الموضوعيّة في جميع الموارد ، بل الدليل على خلافه لا سيّما فيما إذا قامت الأمارة على الخلاف ، والشاهد على ذلك لحن الروايات الواردة عن المعصومين بالنسبة إلى سوق المسلمين في الجبن وغيره ، نظير ما رواه أبو الجارود قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقلت له : أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة ، فقال : « أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرّم في جميع الأرضين ؟ إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكله وإن لم تعلم فاشتر وبع وكل ، واللَّه إنّي لأعترض السوق فأشتري بها اللحم والسمن والجبن ، واللَّه ما أظنّ كلّهم يسمّون هذه البربر وهذه السودان » « 2 » .

--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 354 ( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 17 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، ح 5